تعتبر مدينة براقش الأثرية في اليمن من أقدم المدن التاريخية القديمة التي شكلت حضارة اليمن القديم، حيث يعود تاريخها إلى أكثر من 2500 عام، ورغم أنها مكان مهم جدًا في تاريخ المنطقة إلا أنها للأسف لا تحظى بالاهتمام الذي تستحقه كغيرها من المواقع الأثرية في اليمن، وسنحاول هنا أن نوضح كل ما يخص براقش من تاريخها القديم إلى معالمها الأثرية وأسرارها التي تجعلك تشعر وكأنك أمام كنز حقيقي.
لمحة تاريخية عن مدينة براقش
تقع مدينة براقش في محافظة الجوف شمال شرق العاصمة صنعاء، وكان اسمها القديم “يثيل”، وكانت هذه المدينة عاصمة مملكة معين، إحدى أقوى الممالك القديمة في اليمن، وكان شعب معين شعبًا متقدمًا جدًا من حيث الحضارة والاقتصاد، وكانوا مشهورين بتجارة الأراضي، أي أنك لو عشت في ذلك العصر لوجدت براقش محطة رئيسية على طريق القوافل التي كانت تجلب البضائع من اليمن وشبه الجزيرة العربية إلى بلاد الشام والعكس.
الطراز المعماري والتحصينات الدفاعية في مدينة براقش اليمنية
عندما نفكر في التحصينات القديمة، فإننا نفكر في قصص الأبطال والحروب. كانت مدينة براقش اليمنية واحدة من أقوى المدن المحصنة في العصور القديمة. كانت المدينة محاطة بسور ضخم يبلغ ارتفاعه 14 مترًا، ويضم 57 برجًا دفاعيًا! تخيل، كان من المستحيل على أي شخص دخول المدينة دون إذن.
وبالإضافة إلى السور فإن النقوش والمباني التي لا تزال قائمة حتى اليوم تبين لنا مدى تطور النظام الحضري في المدينة، فكانت هناك المعابد والمتاجر والساحات العامة التي كان الناس يستخدمونها في حياتهم اليومية، وهذا يعني أن هذه المدينة كانت مكتملة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
أهم المعالم الأثرية في مدينة براقش اليمن
1. سور براقش العظيم
أول ما يتبادر إلى ذهنك عند الحديث عن براقش اليمن هو السور العظيم الذي كان يحميها، ويعتبر هذا السور من أبرز نماذج العمارة العسكرية في مملكة معين، وإذا كنت تنوي دراسة التاريخ العسكري القديم فعليك أن تبدأ من هنا.
2. معبد الإله نيكراه
وفي براقش اكتشفوا معبداً مخصصاً للإله “نقرة” وهو أحد الآلهة الرئيسيين للمينيين، وهذا المعبد مليء بالأعمدة المنحوتة بمهارة، بالإضافة إلى النقوش القديمة التي تحكي تفاصيل عن الحياة الدينية في ذلك الوقت، فإذا أردت أن ترى كيف تعامل الناس مع الدين في الماضي، فعليك أن تذهب إلى هذا المعبد.
3. المقابر والنقوش القديمة
في هذه المدينة وجدنا مقابر ملكية ونقوشاً محفورة على الصخور، وهذه النقوش تزودك بمعلومات قيمة عن الملوك والحياة السياسية والدينية في مملكة معين، فإذا أردت أن تفهم كيف كان هذا المجتمع يحكم نفسه فعليك أن ترى هذه النقوش.
4. بقايا المباني السكنية
ومن بقايا المباني السكنية التي لا تزال قائمة في براقش، نستطيع أن نستنتج أن المدينة كانت متقدمة جداً في التخطيط الحضري، فكانت أحياءها منظمة وشوارعها معبدة بعناية، وهذا يعني أن الناس الذين كانوا يعيشون هناك كانوا يعرفون كيف يعيشون بطريقة حضارية للغاية.
أهمية براقش في التاريخ اليمني
كانت براقش مدينة مزدهرة اقتصاديًا وثقافيًا، وكانت ملتقى للتجار والمسافرين المتنقلين بين اليمن والمناطق الأخرى. بالإضافة إلى ذلك، كانت مركزًا دينيًا مهمًا جدًا لعبادة الآلهة اليمنية القديمة. لذا إذا كنت تريد أن تفهم اليمن القديم، فعليك أن تبدأ من براقش.
براقش في العصر الحديث
ولكن للأسف الشديد، تعرضت مدينة براقش في العصر الحديث لأضرار بالغة نتيجة أعمال الحفر غير القانونية والاضطرابات التي شهدتها المنطقة. ومع ذلك، لا تزال المدينة شاهداً على عظمة الحضارة اليمنية القديمة. وهذا يعني أنها بحاجة إلى جهود أكبر من جانب الحكومة والمجتمع الدولي لحمايتها وترميمها.
مستقبل مدينة براقش: هل تعود إلى سابق عهدها؟
مدينة براقش من أجمل المدن الأثرية في اليمن، ورغم ما لحق بها من أضرار بالغة نتيجة الحروب والكوارث الطبيعية إلا أن مستقبلها لا يزال يحمل فرصة للعودة إلى سابق مجدها، وسأشرح لكم الآن كل التفاصيل التي من شأنها أن تساعدها على العودة إلى مكانتها القديمة كموقع أثري مهم.
1. السياحة الثقافية والأثرية
السياحة الثقافية هي أول السبل التي يمكن أن تساعد براقش على العودة إلى الواجهة، وإذا وضعت الدولة خططاً مدروسة للترويج للمدينة، فيمكن تحويلها إلى مقصد سياحي رئيسي في اليمن. كيف؟
- تحسين البنية التحتية : يجب علينا تحسين الطرق المؤدية إلى المدينة، وبناء فنادق صغيرة ومطاعم بالقرب منها حتى يتمكن الزائرون من العثور على كل ما يحتاجون إليه.
- تنظيم الجولات السياحية : يمكننا تنظيم جولات سياحية بإشراف خبراء في الآثار والتاريخ اليمني، ليتعرف الزائر على أهمية المدينة ويستمتع بالتجربة.
- خدمات الإرشاد : نضيف علامات توضيحية داخل الموقع، وننشئ مسارات محددة للزوار حتى لا يحدث أي ضرر للمواقع الأثرية.
- الحملات الترويجية الدولية : إذا قمنا بحملات ترويجية دولية، فإننا سنجذب السياح من كل مكان، وستكسب البلاد الكثير من الأموال من السياحة.
إذا تم استغلال السياحة بشكل صحيح، فإن براقش ستصبح منطقة جذب سياحي مهمة، وستساعد في تحسين الاقتصاد المحلي مع الحفاظ على الموقع الأثري.
2. مشاريع الترميم وإعادة الإعمار
من أجل الحفاظ على براقش، نحتاج إلى البدء بمشاريع ترميم شاملة. ماذا يعني ذلك؟
- إعادة بناء الأجزاء المتضررة : تحتاج الجدران والأسوار والمعابد التي تم تدميرها إلى إعادة بنائها بنفس الطريقة القديمة من أجل الحفاظ على مظهرها الأصلي.
- حماية المنحوتات الحجرية : تحتاج المنحوتات في المدينة إلى تقنيات حديثة لحمايتها من التآكل والتلف.
- إعادة تأهيل الموقع : نعمل على جعل الأماكن التي تحتوي على آثار صالحة للزيارة ولكن بطريقة لا تضر بالموقع.
لقد نجحت دول مثل مصر والأردن وإيطاليا في الحفاظ على مواقعها الأثرية من خلال مشاريع الترميم التي تدعمها الحكومات والمنظمات الدولية، ويمكن لليمن أن تستفيد من نفس التجربة لإنقاذ براقش.
3. رفع مستوى الوعي المجتمعي بأهمية التراث.
لا فائدة من أي مشروع إذا لم يكن المجتمع المحلي شريكا فيه، لذلك يجب علينا أن نقوم بما يلي:
- تثقيف السكان المحليين : نقوم بتعليم الناس حول أهمية المدينة وقيمتها التاريخية، حتى يكونوا أول من يدافع عنها.
- المشاركة المجتمعية في الحماية : نقوم بتنفيذ برامج توعية لمنع أي أعمال تخريب أو نهب للآثار.
- ورش عمل للأطفال والشباب : نعلم الجيل الجديد حب الآثار والتراث حتى يكونوا المدافعين المستقبليين عن المدينة.
إذا أصبح السكان المحليون مرتبطين بالمدينة وأصبحوا جزءا من حمايتها، فإنهم سيشكلون سدا منيعا ضد أي تهديد لها.
4. تسجيل براقش على قائمة التراث العالمي لليونسكو
تسجيل براقش على قائمة التراث العالمي لليونسكو أمر ضروري. لماذا؟
- التمويل الدولي : هذا التسجيل يجلب الأموال من المنظمات الدولية لاستخدامها في الترميم.
- الحماية القانونية : عندما يتم إدراج مدينة في قائمة اليونسكو، فإنها تتمتع بالحماية القانونية ضد أي تدمير أو نهب.
- الاعتراف العالمي : هذا التسجيل يرسل رسالة إلى العالم مفادها أن براقش هو موقع مهم للغاية ويستحق الحماية.
يوجد في اليمن بالفعل مواقع مدرجة على قائمة التراث العالمي مثل شبام حضرموت وصنعاء القديمة، لذا قد تكون براقش هي الإضافة التالية.
5. البحث العلمي والتنقيب الأثري
لا يتنازل براقش عن الأسرار التي يحتاج إلى دراستها، أما ألشان فيجب أن يدعم قسم البحث والتجنيد، حيث يقوم ألشان بإجراء دراسات حول:
- تاريخ مدينة وحضارة ماعين : نكتشف المزيد عن الحضارة التي سكنت هناك.
- العلاقات التجارية والسياسية : نحن نعلم كيف كانت براقش مرتبطة بالممالك القديمة.
- الأنظمة الحضرية : ندرس كيف قاموا ببناء هذه المدينة لتكون محصنة ضد أي هجوم.
إن الاستثمار في البحث العلمي من شأنه أن يبقي براقش في دائرة الضوء العالمية، ويجذب المزيد من الدعم لحمايتها.
6. دور التكنولوجيا في الحفاظ على تاريخ براقش
يمكن للتكنولوجيا الحديثة أن تلعب دورًا كبيرًا في حماية المدينة. كيف؟
- التصوير ثلاثي الأبعاد : نقوم بإعادة بناء أجزاء من المدينة افتراضيًا للحفاظ على شكلها الحقيقي.
- الذكاء الاصطناعي : نستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل النقوش والكتابات القديمة التي تحتاج إلى فك شفرتها.
- التطبيقات الذكية : نقوم بعمل تطبيقات هاتفية تعرض معلومات سياحية وتاريخية عن المدينة، حتى لو كان شخص ما غير قادر على الذهاب إلى هناك.
ستجعل هذه التكنولوجيا موقع براقش متاحًا لجميع الأشخاص الذين يرغبون في التعرف عليه، حتى لو لم يكن لديهم الوقت لزيارته.
هل نستطيع انقاذ براقش؟
ورغم التحديات الكبيرة التي تواجهها براقش، إلا أن الأمل لا يزال قائماً في عودتها إلى سابق عهدها، وإذا ما تضافرت الجهود المحلية والدولية في مجالات الترميم والسياحة والتوعية والتكنولوجيا، فقد نرى براقش مرة أخرى واحدة من أعظم المدن الأثرية في اليمن.
دور الإعلام في تسليط الضوء على مدينة براقش الأثرية في اليمن
أولاً، يجب أن نفهم أن الإعلام شيء مهم للغاية حتى نكون على دراية بما حدث في هذه المدينة القديمة براقش، وإذا كان الإعلام يعمل بشكل جيد، فقد يكون سببًا رئيسيًا في توعية الناس بأهمية هذه المدينة وقيمتها التاريخية التي تعود إلى آلاف السنين. كيف؟ سأخبرك.
- أفلام وثائقية عن المدينة : يمكننا أن نصنع أفلام وثائقية تظهر تاريخ المدينة بطريقة شيقة، أي الحديث عن معالمها القديمة، والنقوش الموجودة عليها، وكل التفاصيل التي تظهر مدى تقدم هذه المدينة في الماضي.
- التقارير الصحفية، وخاصة تقارير الأبحاث : يمكننا أيضًا إعداد تقارير تفصّل المخاطر التي تواجه المدينة، مثل الأضرار الناجمة عن الزمن أو الحروب، وتشرح الحلول التي يمكننا تنفيذها لإنقاذها من الانقراض.
- الحملات على مواقع التواصل الاجتماعي : هذا موضوع مهم جدًا، حيث يمكن للشباب والمهتمين بالآثار استخدام مواقع التواصل الاجتماعي لنشر صور ومقاطع فيديو عن المدينة، وتشجيع الناس على دعمها.
- إشراك الشخصيات المؤثرة : إذا كانت الشخصيات المعروفة والمؤثرة مهتمة بهذا الموضوع، فسوف تتمكن من إيصال الرسالة إلى عدد أكبر من الناس. وهذا يعني أنه عندما يتحدث نجم مشهور أو مؤرخ عن أهمية براقش، فإن الناس سوف يستمعون ويبدأون في التفكير بشكل مختلف.
إذا استخدمنا وسائل الإعلام بشكل فعال، يمكننا الحصول على دعم دولي كبير لحماية هذه المدينة من أي خطر.
إمكانية إنشاء متحف خاص لـ مدينة براقش الأثرية في اليمن
فكرة جميلة جدا ويمكن ان تكون نقطة تحول في التعريف بالمدينة اعني تخيلوا لو تم بناء متحف خاص ببركاش يمكن ان يكون هذا المتحف في نفس المدينة او حتى في مدينة قريبة ماذا يمكن ان يكون؟
- المتحف الرقمي : وهو نوع جديد من المتاحف يعتمد على التكنولوجيا الحديثة، أي أنه بإمكاننا عرض تاريخ المدينة بالكامل ونقوشها القديمة على الإنترنت، بحيث يستطيع أي شخص في العالم الدخول إليها والتعرف عليها دون الحاجة إلى الذهاب إلى اليمن.
- متحف فيلد : نفضل هنا أن نتحدث عن متحف تقليدي يحتوي على بعض القطع الأثرية التي تم اكتشافها في المدينة، بالإضافة إلى مجسمات توضح كيف كانت تبدو المدينة في الماضي، أي أنك تتخيل نفسك جالساً هناك وتشاهد كيف كان الناس يعيشون في الماضي.
- المتحف التعليمي : يمكن أن يكون هذا المكان مكانًا حيث يمكن للناس التعرف على الحضارة المعينية التي كانت موجودة في هذه المنطقة، وعن التاريخ القديم لليمن بشكل عام. بمعنى آخر، يمكن أن يكون مكانًا للتعليم والثقافة في نفس الوقت.
كل هذا من شأنه أن يساعد على جذب السياح والمهتمين بالآثار، كما قد يوفر مصدراً للتمويل حتى نتمكن من الحفاظ على المدينة وترميمها.
التحديات المستقبلية في الحفاظ على مدينة براقش في اليمن
بالطبع، ورغم كل الفرص التي ذكرناها، هناك تحديات كبيرة جدًا تجعل عملية إنقاذ هذه المدينة صعبة. فما هي هذه التحديات؟
- الوضع الأمني غير المستقر : الوضع في اليمن غير مستقر مما يجعل من الصعب على الفرق الأثرية القيام بعملها بسهولة، وهذا يعني أن عمليات الترميم والتنقيب أصبحت صعبة للغاية بسبب الحروب والصراعات.
- نقص التمويل : إن الحفاظ على المدينة يتطلب الكثير من الأموال، سواء للترميم أو لحمايتها من المزيد من الضرر. والمشكلة هي أن هذا التمويل غير متوفر بشكل كاف.
- – عدم الوعي بأهمية التراث : فالناس الذين لا يدركون أهمية هذه المدينة يقومون بتخريب ونهب الآثار، ونحن بحاجة إلى نشر الوعي أكثر فأكثر.
- – عدم وجود خطة استراتيجية بعيدة المدى : ليس لدينا خطة واضحة لحماية المدينة على المدى البعيد، وهذا يعني أن كل ما يحدث الآن هو حلول مؤقتة، ولكن لا توجد رؤية مستقبلية.
رسالة لمحبي التاريخ والتراث
وأخيرا، إذا كنت من هؤلاء الأشخاص الذين يحبون الآثار والتاريخ، فنحن نريد منك أن تنضم إلينا في إنقاذ مدينة براقش الأثرية في اليمن. لماذا؟ لأن هذه المدينة تشكل جزءا مهما جدا من تاريخ البشرية جمعاء، وتحتاج إلى من يقف بجانبها.
- نشر الوعي : يمكنك استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر صور ومقاطع فيديو عن المدينة، وشرح لأصدقائك ومعارفك مدى أهمية هذه المدينة.
- دعم مشاريع البحث : يعمل العديد من الأشخاص على توثيق واستعادة تاريخ المدينة، ويمكنك المساهمة ماديًا أو معنويًا لدعم هذه المشاريع.
- المشاركة في الحملات الدولية : هناك العديد من الحملات التي تطلب التوقيعات حتى نتمكن من ممارسة الضغط الدولي لحماية المدينة. إذا شاركت في هذه الأمور، فسوف تساعد بشكل مباشر.
في النهاية مدينة براقش كنز حقيقي، وهي تحتاج منا أن ننظر إليها بعين مختلفة ونحاول أن نساهم في إنقاذها، فإذا قام كل منا بشيء بسيط نستطيع أن نحافظ على هذه المدينة للأجيال القادمة.